الخطيب الشربيني

306

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وعند الآخرين : رجعية . وقال زيد بن ثابت : إذا اختارت الزوج تقع طلقة واحدة ، وإن اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن ورواية عن مالك ، وروي عن علي : أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة رجعية ، وإن اختارت نفسها فطلقة بائنة ، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء . وعن مسروق قال : ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفا بعد أن تختارني . قال الرازي : وهنا مسائل : منها هل كان هذا التخيير واجبا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم أم لا ، والجواب : أن التخيير كان قولا واجبا من غير شك لأنه إبلاغ لرسالة لأن الله تعالى لما قال له : قل لهن صار من الرسالة ، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا ، والظاهر أنه للوجوب . ومنها : أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا : إنها لا تبين إلا بإبانة النبي صلّى اللّه عليه وسلم فهل كان يجب على النبي صلّى اللّه عليه وسلم الطلاق أم لا ، الظاهر نظرا إلى منصب النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه كان يجب لأن الخلف في الوعد من النبي صلّى اللّه عليه وسلم غير جائز ، بخلاف أحدنا فإنه لا يلزمه شرعا الوفاء بما يعد . ومنها : أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا ، الظاهر أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكنا لها من التمتع بزينة الدنيا . ومنها : أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي صلّى اللّه عليه وسلم طلاقها أم لا ، الظاهر الحرمة نظرا إلى منصب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على معنى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يباشره أصلا ، لا بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب انتهى . ولما خيرهن واخترن الله ورسوله هددهن الله للتوقي عما يسوء النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأوعدهن بتضعيف العذاب بقوله : يا نِساءَ النَّبِيِّ أي : المختارات له لما بينه وبين الله تعالى مما يظهر شرفه مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ أي : سيئة من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق واختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم وغير ذلك ، وقال ابن عباس : المراد هنا بالفاحشة : النشوز وسوء الخلق وقيل : هو كقوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ [ الزمر : 65 ] وقرأ ابن كثير وشعبة مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء التحتية أي : ظاهر فحشها ، والباقون بكسرها أي : واضحة ظاهرة في نفسها يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ أي : بسبب ذلك ضِعْفَيْنِ أي : ضعفي عذاب غيرهن أي : مثيله وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن وأقبح لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة ، ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم أشد منه للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح ، ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد ، وعوتب الأنبياء بما لم يعاتب به غيرهم ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالياء التحتية وألف بعد الضاد وتخفيف العين مفتوحة ، العذاب بالرفع ، وابن كثير وابن عامر بالنون ، ولا ألف بعد الضاد وتشديد العين مكسورة ، العذاب بالنصب ، وأبو عمرو بالياء وتشديد العين مفتوحة العذاب بالرفع . وقوله تعالى : وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً فيه إيذان بأن كونهن نساء للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ليس بمغن عنهن شيئا ، وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب ، فكان داعيا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه . ولما بين تعالى زيادة عقابهن أتبعه زيادة ثوابهن بقوله تعالى :